سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني والشيخ محمد عبده

67

رسائل في الفلسفة والعرفان

واردةكأنّي بك إذا [ 1 ] التفتّ لنفسك وقد وجدت علمك بنفسك عين نفسك ، وهذا غير عسير ، ثمّ إذا دقّقت علمت أنّك لا تُدرك غير نفسك ، فإنّ الإدراك : إن كان هو مجرّد ارتسام الصور فقد تكرّر غير مرّة : أنّه لا يصحّ موجباً للعلم . وإن كان الانفعال بتلك الصور فهو هو ، أو قريب منه ، وحكمه حكمه . فليس الإدراك إلّاتجلّي نفسك بالصور على حسب الاستعداد ، فإدراكك لنفسك في تلك الحالة إدراك لتلك الصور بعينه فأدركت نفسك بنفسك وما أدركت خارجاً عنك ، ولكن بالتجوّز نقول أدركت زيداً الخارجي ، ولكنك ظهرت بمطابقه ، فقلت : ظهرت به ، وهذا دقيق فافهم . كأنّك فيما أُلقي إليك أدركت أنّ الحقّ مريد في شأنه ولكن ليس يشتاق ويتفكّر ثمّ يوجد على حسب ما يؤدّي إليه فكره ، بل إرادته عين فعله ؛ أي لا تخلُّل بين الإرادة والفعل ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيءٍ إذا أَرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) [ 2 ] ( إِنَّما أَمْرُهُ إذا أَرادَ شَيْئاً أنْ يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) [ 3 ] فانظر إلى حصر الأُمور في الفعل في جواب الإرادة ؛ أي ليس لنا شأن من الشؤون المتعلّقة بذلك الشيء إذا أردناه إلّاقولنا له : كن ، وذلك كما إذا تصوّرت زيداً الذي تعرفه من قبل ، فتصوّرك له فعل من أفعالك ومرضيّ لك ومراد ، ولكن ما تعلّقت إرادتك بتصوّره ، ثمّ فعلت ذلك التصوّر ، بل إنّ فعلك ذلك تجلّي إرادتك ، فمعنى كونه مريداً : أنه لا جابر له ، بل تجلّيه عن علمه مرضيّ لذاته ، لا يقع في ملكه إلّاما يريد فتأمّل فليس ما يفهمونه في الإرادة ينبغي [ 4 ] في حضرة الأُلوهيّة .

--> [ 1 ] كذا ، والمناسب : « إذْ » . [ 2 ] النحل : 40 . [ 3 ] يس : 82 . [ 4 ] كذا ، والمناسب : لائقاً وصحيحاً .